باتت جرائم اغتصاب الأطفال أو رمي الأطفال الرّضع على الطرقات ظاهرة تزداد وتيرتها تباعاً في لبنان، وكأنّ الضّمير الإنساني قد دخل في غيبوبةٍ عميقة وحلّت مكانه وحشيةٌ لا مثيل لها. هذه الوحشية التي لا تنفك عن التسبّب في جرح الأطفال وسلب براءتهم وانتهاك حقوقهم . وبعد قضية تعنيف الأطفال في إحدى الحضانات أخيراً ، وما أثارته من غضب في المجتمع اللّبناني، كرّ شريطٌ طويل من الجرائم الفظيعة والمنافية للأخلاق والآداب العامّة، لدرجة أنّ العقل البشري يعجز عن استيعابها أو تصديقها.وفيما يلي نستعرض أبرز هذه الجرائم الّتي تحوّلت إلى قضايا رأي عام وهزّت الشّارع اللّبناني .
الطّفلة لين طالب... ضحيّة اغتصابٍ متكرّر
الطّفلة لين طالب
في التّاسع والعشرين من شهر حزيران الماضي، توفّيت الطفلة لين طالب، إبنة الخمس سنوات، وبعد الكشف عليها تبيّن أنّ سبب الوفاة هو نزيف حادّ جرّاء تعرّضها لإغتصابٍ متكرّر. وفي الرّواية، أنّ والدي لين منفصلان، وتم إرسال الطفلة إلى عائلة أمّها للمكوث معها في عيد الأضحى. وبعد مرور ثمانية أيّام، لفظت لين أنفاسها الأخيرة بعد معاناتها من الاعتداء الجنسي. ومنذ اليوم الأول على وفاتها، بدأت التّحقيقات المطوّلة. كما تحوّلت قصّتها إلى قضية إنسانية تفاعل معها اللّبنانيون الذين طالبوا بالإسراع في التحقيقات للكشف عن المجرم ،وإنزال أشدّ العقوبات بحقّه. وبعد تقاذف الإتّهامات بين عائلة الأمّ وعائلة الأب، جاءت نتائج التّحقيقات صادمة، حيثُ تبيّن أن جدّ الطفلة قد أقدم على اغتصابها عدّة مرّات ممّا أسفر عن وفاتها. وأنّ والدة الطّفلة حاولت التّستّر على الجريمة، وتوجيه أصابع الاتّهام إلى عمّ لين الّذي يبلغ من العمر 16 سنة.وبناءً عليه، ختمت القاضية ماتيلدا توما ملفّها في هذه القضية ، وادّعت على الجدّ للاشتباه فيه بالإغتصاب وعلى الوالدة بتهمة التّستّر على الجريمة.
بعد لين طالب... الطفل بكر ضحيّة جديدة
تعرّض الطّفل بكر، ابن الأحد عشر عاماً، إلى الإغتصاب من قبل شابّ عشريني. وكان الطّفل مارّاً قرب مقهى في بلدة بقسماطي في عكّار، فاقترب منه هاني المُغتصب طالباً منه الابتعاد قليلاً إلى شارع ضيّق ومهجور خلف المقهى. وتجاوب معه بكر بسبب علاقة صداقة تجمع بين العائلتين. وما إن وصلا إلى المكان ، حتّى قام المجرم بالتعدي عليه محاولاً منع الضحية من الصّراخ ، ومحذّراً إيّاه من أن يُخبر أحداً بما حصل. وعاد هاني إلى المقهى كأنّ شيئاً لم يكن، في حين خاف بكر من إبلاغ والديه بالأمر إلى أن ازداد وجعه ، وكشفه صراخه داخل المرحاض. وسرعان ما تبيّن لعائلته أنّه ينزف بقوّة ، وعلمت بما حصل. في بادئ الأمر ،حاولت العائلة التّستر على الأمر خوفاً على سمعة ابنها، لكن تدهّور حالة بكر الصّحية أجبرتها على البوح لفعاليات البلدة. و تمّ القبض على المجرم، و نقل الطفل إلى مستشفى االكرنتينا في بيروت ، ليبقى تحت المراقبة ويتلقّى العلاج اللاّزم.
شقيقان يغتصبان شقيقتهما القاصر... ويوثّقان الاعتداء
رواية جديدة تقشعرّ لها الأبدان في مسلسل الإعتداء على الطفولة في لبنان ، شقيقان يغتصبان شقيقتهما القاصر، منذ ثلاث سنواتٍ على التّوالي. والصادم في الرواية، أنّ الأمّ كانت على دراية بما يحصل ، لكنّها بقيت تتستّرعلى الموضوع مقابل المال. أمّا الكشف عن هذا الجرم ، فقد حصل عن طريق الصّدفة، إذ إنّ المغتصبين هما أيضاً سارقان يقومان بعمليات سلب، وقد تمكّنت دورية من شعبة المعلومات من توقيفهما. وبعد تفقّد هواتفهما ،تمّ الكشف عن فيديوهات تُوثّق عمليات الاغتصاب. وعلى الفور تمّت إحالتهما إلى مكتب الآداب في وحدة الشّرطة القضائية للتوّسع في التّحقيق معهما. وسرعان ما اعترفا بفعلتهما. كما تمّ استدعاء والدة الضّحية الّتي اعترفت بتستّرها على الجريمة المتكرّرة. أمّا الضّحية، فقد احتضنتها إحدى الجمعيات وتكقّلت بتأمين الرّعاية الصّحية والنّفسية لها.
إنسانيّة كلب في إنقاذ حياة رضيعة
الطّفلة الرّضيعة الّتي تمّ إنقاذها
هي حادثة غير مسبوقة شكّلت صدمة كبيرة للّبنانيين، حيثُ عثر أحد المواطنين على كيس أسود يجرّه كلب والكيس يُصدر أنيناً. ليتبيّن لاحقاً أنّ بداخله طفلة رضيعة مصابة بجروح طفيفة في أماكن مختلفة في جسدها. وعلى الفور تمّ نقلها إلى إحدى المستشفيات لتلّقي الرّعاية الطبّية اللاّزمة.
قانون العقوبات
تنُصّ المادّة 505 من قانون العقوبات اللّبناني على عقاب كلّ من جامع قاصراً دون الخامسة عشرة من عمره بالأشغال الشّاقة المؤقّتة. ولا تنقص العقوبة عن خمس سنوات إذا كان الولد لم يتمّ الثامنة عشرة من عمره. ومن جامع قاصراً أتمّ الخامسة عشرة من عمره ولم يتمّ الثّامنة عشرة عوقب بالحبس من شهرين إلى سنتين.أمّا بالنّسبة لطرح الأطفال والتّخلّي عنهم، فتنصُّ المادّة 498 من قانون العقوبات على أنّه من طرح أو سيّب ولداً دون السّابعة من عمره أو أي شخص آخر لا يملك حماية نفسه بسبب حالة جسديّة أو نفسيّة، عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة. وإذا طُرِح الولد او العاجز أو سُيّب في مكانٍ مقفر، كان العقاب من ستّة أِشهر إلى ثلاث سنوات.
المحلّلة النّفسية رندا شلّيطا: "سجن المُجرم لا يكفي"
رندا شلّيطا
تعقيباً على هذه الجرائم المجرّدة من الإنسانية ، استطلع موقع "نتاج" رأي المحلّلة النّفسية والباحثة في علم النّفس، رندا شلّيطا، الّتي قامت بالتّعليق على ما يحصل. وقالت شليطا أنّ مواقع التّواصل الاجتماعي اليوم تلعبُ دوراً كبيراً في تسليط الضّوء على هذه الجرائم وآثارها بشكل كبير. ففي السّابق ، كان يتمّ التحفّظ عن ذكر هذه الأفعال من قبل الوسائل الإعلامية ، حيث كان يتمّ الاكتفاء بذكرها ببضعة أسطر في الصحيفة دون ذكر الأسماء، نظراً لوجود ضوابط أخلاقية تمنع ذلك. أمّا بالنّسبة للآسباب التي تدفع بأشخاص يُفترض أنّهم راشدون بإغتصاب أطفال، فقالت شليطا أنّ كلمة راشد نطلُقها على من تجاوز سنّ الرشّد بحسب القانون.أمّا في الواقع، هي كلمة كبيرة تعني الوعي وتتطلّب دائماً اختبار صحّة الشّخص النّفسية. وإغتصاب الأطفال هو مرض خطير ، ومن يقوم به مرّة يكرّره ألف مرّة!
وفيما يتعلّق بالتّستّر عن هذه الجرائم، فاعتبرت أنّه في وطن يتم فيه التستّر على جرائم كبيرة ، لن يصعب على البعض التستّر على جرائم بحقّ الأطفال.
من جهةٍ أخرى، وفيما يخصّ التّخلي عن الأطفال، كان رأي شليطا أنّ الإنسان عندما يفقد عقله ولا يلتزم بالأخلاق، فمن الطّبيعي أن يتخلّى عن طفله. والأمّ إذا لم تكن معدّة لأن تكون أمّاً حقيقيّة ، لا يمكن الإتكّال على شعورها بالأمومة لأنّه شعور مركّب.
ولحماية الأطفال من التّعرض لأي اعتداء جنسي أو غيره، يجب أن تكون هناك مراقبة شديدة مستمرّة، صحيّة ونفسيّة، من الأهل والحضانات والمدارس أو أي مكان يتواجد فيه أشخاص عاجزون عن حماية أنفسهم. بالإضافة إلى وجود مساعدين اجتماعيين. بمعنى أن تتوفّر الظروف المناسبة لتجنّب وقوع حوادث مماثلة. وبالطبع، يجب الاهتمام بالطبّ وعيادات علم النّفس لتتمكّن من رعاية الأشخاص الّذين يعانون من أي شذوذ. كما يجب تطبيق القانون الّذي يُعاقب المتحرّش أو المعتدي جنسيّاً. وشدّدت شليطا على أنّ في علم النّفس لا يتمّ الاعتراف بردع المجرمين وسجنهم فقط بل بإعادة تأهيلهم. فسجن المجرم وحده لا يكفي.