كانت السينما يومًا جزءًا من نبض بيروت، حاضرة في شوارعها وواجهاتها وذاكرة أهلها. اليوم، يعيد يروانت هواريان إحياء تلك الصورة القديمة، مستعيدًا عبر فنه مدينةً لا تزال تفاصيلها تسكن الذاكرة.
حين كانت بيروت تضيء لياليها بأسماء الأفلام، وحين كانت واجهات دور السينما والملصقات المرسومة يدوياً جزءاً من المشهد اليومي للمدينة، كانت السينما أكثر من مجرد صالات تعرض الأفلام. كانت لغة بصرية وذاكرة جماعية وطقساً اجتماعياً يملأ الشوارع بالحياة.
هذه الذاكرة تعود إلى الواجهة من الدوحة مع معرض «حين كانت بيروت سينما» للفنان يروّانت هواريان، الذي ينظمه غاليري المرخية بالتعاون مع ملتقى دلّول للفنانين، ويفتتح في 25 آب/أغسطس 2026 في «مطافئ: مقر الفنانين»، ويستمر لمدة ثلاثة أسابيع.
يضم المعرض 15 لوحة يعيد من خلالها هواريان تخيّل عدد من دور السينما والمسارح التي كانت من أبرز معالم الحياة الثقافية والعامة في بيروت، ومنها سينما رويال، بيكاديللي، رياتو، بيبلوس، كريستال وهوليوود، إضافة إلى المسرح الكبير والمسرح الوطني.
لكن الأعمال لا تكتفي باستعادة أسماء الصالات أو واجهاتها، بل تعيد بناء مشهد بيروت كما عاشه الفنان في تلك المرحلة: لافتات مضيئة، ملصقات أفلام ضخمة مرسومة باليد، حافلات وسيارات أجرة، مقاهٍ، وحشود تنتظر أمام الصالات.
بهذا المعنى، تصبح المدينة نفسها بطلة المعرض؛ فالسينما لم تكن محصورة داخل المبنى، بل كانت تمتد إلى الشارع وتدخل في تفاصيل الحياة اليومية، لتصبح جزءاً من هندسة بيروت وإيقاعها وذاكرتها البصرية.
ما يمنح المعرض خصوصيته أن هواريان لا يستعيد بيروت القديمة من خلال الصور الأرشيفية فقط، بل من خلال ذاكرة شخصية عاش تفاصيلها وكان أحد صانعي صورتها البصرية.
ولد يروانت هواريان في القامشلي في سوريا عام 1949، واستقر في بيروت منذ أوائل ستينيات القرن الماضي. وفي سن الخامسة عشرة بدأ العمل رساماً لملصقات الأفلام السينمائية، لتنطلق بعدها مسيرة فنية امتدت نحو ستة عقود، ارتبط خلالها اسمه بتاريخ الملصق السينمائي المرسوم يدوياً في لبنان والمنطقة.
وفي أوائل السبعينيات، توسع نشاطه ليشمل إدارة عدد من دور السينما، ومن بينها سينما رويال التي اتخذ منها مرسماً، في تجربة تختصر العلاقة الفريدة التي نشأت في حياته بين صناعة الصورة وصناعة السينما نفسها.
قبل انتشار الطباعة الرقمية والملصقات الجاهزة، كان الإعلان عن الفيلم يبدأ من يد الفنان. كان هواريان يرسم الصورة بحجم ضخم، ويختار الألوان والتكوينات التي تستوقف المارة وتدفعهم إلى دخول الصالة.
وفي تجربته، لم يكن الملصق مجرد أداة دعائية، بل مساحة فنية قائمة بذاتها. فقد اعتمد على الألوان الصاخبة والتكوينات الدرامية، وحوّل صور نجوم السينما إلى أعمال تحمل بصمته الخاصة.
ويعود هواريان اليوم إلى تلك التجربة، ولكن من موقع الفنان الذي يعيد النظر في أرشيفه وذاكرته، محولاً صوراً كانت في الأصل جزءاً من الإعلان التجاري إلى أعمال فنية تستعيد تاريخاً بصرياً كاملاً لمدينة بيروت.
وكان معرضه الفردي «ريوايند»، الذي أقيم في «ملتقى دلّول للفنانين» في بيروت بين تشرين الثاني 2025 وكانون الثاني 2026، قد ركز بدوره على العصر الذهبي للملصقات السينمائية اللبنانية، من خلال إعادة خلق أعماله على القماش الكتاني.
يذهب معرض «حين كانت بيروت سينما» أبعد من النوستالجيا. فالمشهد الذي يستعيده هواريان هو بيروت التي كانت السينما فيها جزءاً من الثقافة الحضرية، حيث تتحول واجهة الصالة إلى نقطة تجمع، والملصق إلى عنصر من عناصر المدينة، ونجوم الشاشة إلى وجوه حاضرة في الحياة اليومية.
ومن خلال هذه الأعمال، يمكن قراءة بيروت في مرحلة كانت فيها الثقافة الشعبية والفنون والسينما والموسيقى والمسرح تتقاطع في فضاء واحد.
إنها بيروت التي عرفها الفنان في شبابه، ورسم شوارعها ونجومها وأحلام جمهورها، قبل أن تتغير ملامح المدينة بفعل الحرب والتحولات الاجتماعية والتكنولوجية التي أعادت تشكيل علاقتها بالصورة.
لا تختصر مسيرة هواريان في الملصقات السينمائية. فقد امتدت تجربته إلى رسم البورتريه والجدارية والفن الديني، كما أصبح رساماً غير رسمي لعدد من رؤساء الجمهورية اللبنانية، وأنجز أعمالاً لشخصيات سياسية وفنية وثقافية بارزة.
وتشير سيرته الفنية إلى أنه أنجز خلال مسيرته ما يقارب 20 ألف عمل فني، شملت السينما والبورتريه والثقافة الشعبية والأيقونات الدينية.
كما رسم خلال مسيرته عدداً كبيراً من نجوم الغناء والسينما، ومن بينهم أسماء بارزة من زمن الفن العربي الذهبي، وكانت أعماله جزءاً من الصورة العامة التي صنعت حضور هؤلاء النجوم في الشارع اللبناني.
وتوسعت تجربته منذ مطلع الألفية إلى أعمال فنية تأملية تعيد قراءة العصر الذهبي للسينما العربية، من خلال لوحات أكريليك كبيرة وأعمال نحتية تستعيد أفلاماً وأيقونات سينمائية شهيرة.
يحمل المعرض إلى الدوحة جزءاً من تاريخ بيروت الثقافي، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً أوسع حول العلاقة بين الفن والذاكرة والمدينة.
فما يراه الجمهور اليوم ليس مجرد صور لدور سينما اختفت أو تغيرت، بل محاولة لإنقاذ تفاصيل من ذاكرة مدينة كانت الصورة فيها تُرسم باليد وتُعلّق في الشوارع، وكانت السينما جزءاً من الحياة اليومية لا مجرد صناعة ترفيهية.
ويأتي تنظيم المعرض ضمن اهتمام غاليري المرخية بتقديم تجارب فنية عربية معاصرة وإتاحة مساحة للفنانين العرب، وإعادة تقديم تجاربهم أمام جمهور الدوحة.
أما اختيار «مطافئ: مقر الفنانين» لاحتضان المعرض، فيضيف إلى التجربة بعداً آخر، إذ تتحول بيروت القديمة، عبر لوحات هواريان، إلى مدينة تُستعاد في فضاء فني قطري معاصر.
أعجبوا بصفحتنا على فيسبوك: https://www.facebook.com/profile.php?id=100084022260702
تابعونا على إنستغرام: https://www.instagram.com/neetajmag/
اقرأوا المزيد من المقالات: