الاثنين، 24 أغسطس 2026
مجتمع

ناتالي خواجة: «مواسم»… مسرح يعبر المناطق ويجمع الناس

في وقت يواجه فيه المسرح اللبناني تحديات متراكمة تتصل بالإنتاج والتوزيع والترويج والوصول إلى الجمهور، تأتي مبادرة «مواسم» التي أطلقتها Lebanon Seasons كمحاولة لإعادة المسرح إلى موقعه الطبيعي في الحياة الثقافية والاجتماعية اللبنانية.

دانيا عوض
ناتالي خواجة: «مواسم»… مسرح يعبر المناطق ويجمع الناس

يقوم المشروع على فكرة أساسية تتجاوز تنظيم العروض المسرحية: نقل المسرح من بيروت إلى المناطق اللبنانية، وربطه بالمكان وبالحركة السياحية والاقتصادية، وخلق مساحة لقاء حقيقية بين الفنان والجمهور. انطلقت التجربة من إهدن، على أن تتنقل لاحقًا بين مناطق مختلفة، بهدف جعل المسرح أكثر قربًا من الناس وأكثر حضورًا في حياتهم .في هذا الحوار، نلتقي ناتالي خواجة صاحبة الفكرة عن علاقة مواسم بالجمهور، مفهوم المسرح كحق، وطموحها لتحويل «مواسم» إلى مسار ثقافي مستدام يحتضن المسرح من الفكرة إلى العرض.

كيف ولدت فكرة «مواسم»، وما الذي تطمحون إلى تحقيقه من خلالها؟

«مواسم» حركة ثقافية تنظمها Lebanon Seasons، انطلقت من رغبة في الوقوف إلى جانب المسرح اللبناني، الذي يحتاج اليوم إلى دعم على مستويات عدة، من الإنتاج والتوزيع إلى الترويج والوصول إلى جمهور أوسع. لا ندّعي أننا قادرون على حل جميع هذه التحديات، لكننا نستطيع إطلاق حركة تجمع الناس حول المسرح، وتشجع المجتمع المدني والمحلي، والمؤسسات الرسمية والخاصة، والإعلام والجمهور على أن يكونوا شركاء في هذه المسؤولية. ومن هنا جاءت فكرة نقل الأعمال المسرحية إلى مناطق مختلفة وربطها بالمكان والسياحة والحركة الاقتصادية. بدأنا من إهدن، ونأمل أن تنتقل «مواسم» من منطقة إلى أخرى، لأن الثقافة ليست ترفًا، بل جزء من هويتنا، والحفاظ عليها مسؤولية جماعية.

كيف اخترتم الأعمال المسرحية المشاركة؟

كان الاختيار قائمًا على معايير فنية وعملية واضحة. أردنا برنامجًا متنوعًا يضم أكثر من لون مسرحي ويخاطب فئات عمرية وأذواقًا مختلفة، على أن تكون الأعمال لبنانية وتحمل قيمة فنية وفكرة أو رسالة، وفي الوقت نفسه قريبة من الناس وقادرة على خلق تفاعل مباشر معهم. كما حرصنا على تنوع التجارب والأجيال، وعلى اختيار أعمال قابلة للانتقال والعرض خارج بيروت، خصوصًا أن مسرح إهدن يتم تجهيزه من الصفر. وبالتأكيد، أخذنا في الاعتبار جاهزية الفرق والمواعيد والمتطلبات التقنية. النتيجة التي سعينا إليها هي برنامج متوازن يجمع بين الكوميديا والمسرح الاجتماعي والإنساني، وبين المتعة والفكرة، بحيث يجد كل شخص تجربة تشبهه.

كيف تصفين علاقة الجمهور اللبناني بالمسرح؟

أعتقد أن الجمهور اللبناني يحب المسرح، والدليل أنه عندما نقدم عملًا جميلًا وقريبًا منه، نرى حجم التفاعل والحضور. المشكلة غالبًا ليست في الجمهور، وإنما في وصول العمل إليه، خصوصًا خارج بيروت، وفي ضعف الترويج والتوزيع الإعلامي. كما أن الظروف الاقتصادية جعلت السفر إلى منطقة بعيدة أو حتى شراء بطاقة مسرح أمرًا صعبًا بالنسبة إلى كثيرين. لذلك نحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين الجمهور والمسرح، وتقريبه من الناس. المسرح ليس للنخبة وليس ترفًا. هو مساحة نلتقي فيها ونضحك ونفكر ونرى أنفسنا وقصصنا أمامنا.

عندما يصل «مواسم» إلى منطقة جديدة، ما الأثر الذي تتمنين أن يتركه؟

أتمنى ألا تكون التجربة مجرد مسرحية تُعرض وتنتهي، بل أن تخلق لقاءً حقيقيًا بين الجمهور والفنانين، وأن يشعر أهل المنطقة بأنهم جزء من التجربة ،الأهم أن نبني علاقة تستمر مع الوقت، بحيث يصبح المسرح حاجة وطلبًا لدى الناس، وليس حدثًا عابرًا. كما أتمنى أن تخلق العروض حركة ثقافية وسياحية واقتصادية حولها، لأن المسرح قادر على جمع الناس وتحريك المنطقة والتعريف بخصوصيتها . أما رؤيتي لـ«مواسم»، فهي أكبر من تنظيم عروض. أتمنى أن نتمكن مستقبلًا من الوقوف إلى جانب الأعمال المسرحية منذ مرحلة الفكرة، والمساهمة في إنتاجها، ومساعدتها على الوصول إلى مساحات وجمهور جديد. ومن أحلامنا أيضًا إنشاء مساحة دائمة يلتقي فيها الفنانون، ويكتبون ويبدعون ويتدربون ويجرون البروفات، خصوصًا في ظل النقص الكبير في المساحات المتاحة للمسرح.

ماذا يعني لكِ أن يكون المسرح «حقًا» وليس امتيازًا؟

يعني أن يكون متاحًا للجميع، وألا يكون محصورًا بمدينة أو فئة اجتماعية أو أشخاص يمتلكون قدرة مادية أكبر. لكل إنسان الحق في مشاهدة المسرح والتفاعل معه والعثور على قصته وهويته فيه. وهذا الحق لا يخص الجمهور فقط، بل الفنان أيضًا. من حقه أن يجد مساحة يبدع ويتدرب ويعرض فيها، وأن يحصل على فرصة ودعم حقيقيين ليستمر في عمله. لذلك علينا أن نقرّب المسرح من الناس، وأن نوصله إلى المناطق، وأن نجعل البطاقة في متناول أكبر عدد ممكن، من دون الانتقاص من قيمة العمل أو حق الفنان. المسرح مساحة للوعي والتعبير واللقاء، والثقافة جزء أساسي من هويتنا.

مشروع مسرحي وفعل مقاومة

هل «مواسم» مشروع مسرحي أم شكل من أشكال المقاومة الثقافية؟

هو مشروع مسرحي، لكنه يتضمن بالتأكيد فعل مقاومة ثقافية. ففي الظروف الصعبة التي نعيشها، أن تتمسك بالثقافة، وتخلق مساحة للفنان، وتقرّب المسرح من الناس، وتأخذه إلى مناطق جديدة، فهذا بحد ذاته مقاومة. لكننا لا نقاوم ضد أحد، بل نقاوم اليأس والتهميش وفكرة أن الثقافة ترف أو أنها تأتي في آخر قائمة الأولويات. نحاول أن نقول إنه رغم كل شيء، لا يزال بإمكاننا أن نخلق ونلتقي ونروي قصصنا ونحافظ على هويتنا.

ما نوع العلاقة التي تريدين بناءها بين الفنان والجمهور؟

نريد علاقة حية وقريبة، تتجاوز فكرة أن يقدم الفنان عرضًا ويشاهده الجمهور ثم ينصرف كل طرف في طريقه. نريد لقاءً وحوارًا وتفاعلًا، وأن يشعر الجمهور بأنه شريك في التجربة وفي استمرارية المسرح. وفي المقابل، نريد للفنان أن يلتقي جمهورًا جديدًا في مناطق مختلفة، وأن يستمع إليه ويلمس ردود فعله مباشرة. هذا التفاعل يمكن أن يولّد أفكارًا وتجارب وقصصًا جديدة، خصوصًا من خلال اللقاءات والورش والمسرح التفاعلي. وأتمنى أن يصبح الذهاب إلى المسرح جزءًا طبيعيًا من حياة الناس، فيبحثون عن العروض ويتابعونها وربما ينتقلون من منطقة إلى أخرى لمشاهدتها. في النهاية، لا يعيش المسرح من دون هذه العلاقة. الفنان يقدم القصة، والجمهور يمنحها نبضها وحياتها.

هل تؤمنين بأن الفن قادر على خلق مساحات للقاء في بلد متعب؟

بالتأكيد. قد لا يستطيع الفن حل مشكلات البلد، لكنه يستطيع خلق مساحة نلتقي فيها بعيدًا عن الانقسامات وضغط الحياة اليومية في بلد متعب مثل لبنان، نحن بحاجة إلى مكان نتنفس فيه ونضحك ونتأثر ونفكر ونستمع إلى قصص بعضنا البعض. والمسرح تحديدًا يمتلك هذه القوة، لأنه لقاء حي بين الفنان والجمهور في المكان واللحظة نفسيهما. قد لا يغيّر الفن الواقع فورًا، لكنه يغيّر نظرتنا إليه، ويزرع سؤالًا أو أملًا أو إحساسًا بالانتماء. وأحيانًا يكون خلق مساحة لقاء حقيقية بحد ذاته بداية للتغيير.

لو كان «مواسم» شخصية، كيف تصفينها؟

سيكون شخصًا حالمًا وعنيدًا وإيجابيًا، يحب الناس ويؤمن بأنه لا يجب أن يبقى أحد على الهامش. يحمل قصصه ويتنقل بها من منطقة إلى أخرى، ويفتح مساحات للقاء والحوار والفرح. هو شخص يعرف أن الطريق ليس سهلًا، لكنه لا يستسلم. يجمع الفنان بالجمهور، ويقرّب الناس من بعضهم، ويتمسك بهويته وثقافته، لأنه يؤمن بأنه حتى في أصعب الظروف، هناك دائمًا موسم جديد للخلق والإبداع والأمل.

ما أمنيتك للمسرح اللبناني؟ وما المشروع الذي تطمحين إلى تحقيقه؟

أتمنى أن يأخذ المسرح اللبناني المساحة التي يستحقها، وأن يكون هناك تعاون حقيقي بين الفنانين والجمهور والإعلام والمجتمع المدني والقطاعين العام والخاص. فالمسرح لا يستطيع الاستمرار بجهد الفنان وحده، بل يحتاج إلى تمويل وإنتاج وتوزيع وترويج ومساحات للكتابة والتدريب والعرض. وأتمنى أيضًا ألا يبقى المسرح محصورًا في بيروت، بل أن يصل إلى مختلف المناطق وأن يكون في متناول الجميع . أما المشروع الذي أطمح إلى تحقيقه، فهو استكمال رؤية «مواسم» من خلال إنشاء مساحة دائمة، أو Hub، يلتقي فيها الفنانون ويكتبون ويبدعون ويتدربون ويطورون أعمالهم، مع محاولة دعمهم من مرحلة الفكرة وصولًا إلى الإنتاج والعرض. إنه حلم كبير لا يمكن تحقيقه بجهدنا وحدنا، لكننا نبدأ بخطوة، ونحاول جمع كل من يؤمن بأن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في هوية لبنان ومستقبله.

كارول عبود أثرّت بي

ما المسرحية التي أثرت فيكِ هذا العام؟

لا أحب عادةً تسمية مسرحية مفضلة، لأن لكل عمل خصوصيته، وكل تجربة يقف وراءها فنانون وضعوا الكثير من الوقت والطاقة والتعب، وهذا بحد ذاته يستحق التقدير. لكن إذا أردت أن أتحدث عن أداء تمثيلي ترك أثرًا كبيرًا فيّ هذا العام، فسأذكر كارول عبود في شخصية «بيرتا» في مسرحية «الوحش»، التي شاهدتها أربع مرات. بيرتا امرأة مجروحة من الداخل، تشعر بأنها لا تملك الحق في الفرح أو الحب أو حتى عيش لحظة سعيدة من دون أن تعاقب نفسها عليها. كارول لم تؤدِّ الشخصية فقط، بل جعلتنا نعيشها وندخل إلى أعماقها. جعلتنا نرى كيف يمكن لظروف الحياة أن تحاصر الإنسان وتجعله أسيرًا لألمه وشعوره بالذنب، إلى درجة يقتنع معها بأنه لا يستحق فرصة جديدة أو لحظة حنان. شاهدت كارول للمرة الأولى قبل أكثر من 15 عامًا في مسرحية «الخادمتان» على مسرح بابل، ومنذ ذلك الوقت اعتبرتها ممثلة نادرة. لكنها في شخصية بيرتا تحديدًا قدمت شيئًا قويًا ومخيفًا في صدقه. جعلتنا نتأثر ونفكر، وربما نرى في هذه الشخصية أشخاصًا نعرفهم، أو حتى جزءًا من أنفسنا ، هذا لا ينتقص من قيمة أي عمل أو أداء آخر، لكن هذا الدور تحديدًا بقي معي.


لمعرفة المزيد عن " مواسم " تابعوا الصفحة على إنستغرام:

https://www.instagram.com/lebanon.seasons/

https://www.instagram.com/mawassem.theatrefestival/


أعجبوا بصفحتنا على فيسبوك: https://www.facebook.com/profile.php?id=100084022260702

تابعونا على إنستغرام: https://www.instagram.com/neetajmag/

اقرأوا المزيد من المقالات:

https://neetaj.net/article.php?slug=%D8%AC%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%8A-%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B4%D9%8A-%D8%B6%D9%85%D9%86-%D8%AF%D9%81%D8%B9%D8%A9-%D8%A3%D9%83%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B3%D8%AC%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85-2026

أعجبكِ المقال؟ شاركيه:

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

اشتركي في نشرتنا البريدية

أحدث المقالات والأخبار مباشرةً في بريدك الإلكتروني